قضية "التوحيد" في مصر القديمة غالباً ما تُفهم بشكل سطحي أو تُنتزع من سياقها الفلسفي واللغوي المعقد
.وذلك من عدة نواحي:
- اللغة والسياق: نصوص الأهرام (Pyramid Texts) هي نصوص طقسية جنائزية بالدرجة الأولى. المديح الموجه لإله معين في نص ما لا يعني نفي الآلهة الأخرى، بل هو جزء من نظام "الجمع بين الآلهة" أو ما يعرف بـ (Henotheism)، حيث يُرفع شأن إله واحد في مقام محدد دون إنكار وجود البقية.
- أزمة الترجمة: الكثير من الباحثين الأوائل (مثل "إيمانويل دي روجيه" أو حتى تأويلات "موريس بوجاي") حاولوا إسقاط المفاهيم الإبراهيمية للتوحيد على الفكر المصري، وهو ما أدى إلى بتر النصوص لإثبات وجهة نظر مسبقة.
- التاسوع المقدس: تجاهل نصوص التاسوع (Ennead) وعلاقات الآلهة ببعضها (مثل آتوم، شو، وتفنوت...) يجعل صورة العقيدة المصرية مشوهة، فالمصري القديم لم يرَ تعارضاً بين "الوحدة" الكونية وتعدد "التجليات" (النتيرو).
الخلاف الحقيقي يكمن في أن ما يسميه البعض "توحيداً" كان في الحقيقة "وحدة وجود" أو أصلاً واحداً تنبثق منه القوى الكونية، وهو مفهوم يختلف تماماً عن التوحيد الفلسفي الذي يُروج له البعض بناءً على فقرات مقتطعة.
فهذه الإشكالية تعود في جذورها إلى بدايات علم المصريات، حيث حاول بعض الباحثين الأوروبيين صبغ العقيدة المصرية بصبغة "توحيدية" تتوافق مع المنظور الإبراهيمي، معتمدين على ترجمات انتقائية.
فيما يلي عرض لأبرز القائلين بهذا الرأي من المستشرقين، مع المصادر وتفنيد ادعاءاتهم:
1. إي. إيه. واليس بودج (E. A. Wallis Budge)
يُعد بودج من أكثر من روّج لفكرة أن المصريين كانوا موحدين في الأصل، وأن التعدد كان "تجليات" للآلهة.
- المصدر: كتابه "الديانة المصرية" (Egyptian Religion)، الفصل الأول: "الأصل والاعتقاد".
- الادعاء: يزعم بودج في الصفحة 19 أن كلمة "نتر" (Netjer) تعني "الله" بصيغة التوحيد المطلق، ويستشهد بفقرات من نصوص الأهرام وكتاب الموتى تصف الإله بأنه "واحد لا ثاني له".
- التفنيد: القراءة الصحيحة للغة الهيروغليفية تظهر أن عبارة "واحد لا ثاني له" (Wa en en en-ef) هي صيغة تعظيم طقسية تُقال لأي إله في لحظة عبادته (Henotheism). بودج تجاهل أن نفس الوصف يُطلق على "رع" في نص، وعلى "أوزيريس" في نص آخر، وعلى "آمون" في نص ثالث، مما يعني أنها صفة "الأولوية في المقام" وليست "الوحدانية في الوجود".
2. إيمانويل دي روجيه (Emmanuel de Rougé)
كان من أوائل من قالوا بالتوحيد الفطري للمصريين، وزعم أن التعدد كان مرحلة تدهور لاحقة.
- المصدر: ورقة بحثية بعنوان "شرح مقتطفات من نصوص الأهرام" (Explication d'extraits des textes des pyramides).
- الادعاء: استدل بفقرة من متون الأهرام (الفقرة 1652) التي تتحدث عن الإله "آتوم" وهو يخلق نفسه من نفسه في "نـون" (المياه الأزلية)، معتبراً ذلك دليلاً على التوحيد الفلسفي الصرف.
- التفنيد: عند إكمال قراءة النص (الفقرة 1653 وما بعدها)، يتبين أن "آتوم" لم يبقَ واحداً، بل قام بعملية "تجزئة" لذاته ليخلق الزوج الأول (شو وتفنوت)، ومن ثم وُلد التاسوع المقدس. المذهب هنا هو "وحدة الوجود" (Pantheism) وليس التوحيد، فالتعدد جزء أصيل من عملية الخلق في الفكر المصري وليس انحرافاً عنها.
3. جيمس هنري بريستد (James Henry Breasted)
رغم دقته، إلا أنه في بداياته حاول إيجاد "جذور التوحيد" قبل أخناتون.
- المصدر: كتابه "تطور الدين والفكر في مصر القديمة"، صفحة 315 (الترجمة العربية - طبعة الهيئة العامة للكتاب).
- الادعاء: نقل فقرة من "نشيد آمون" تتحدث عن "الواحد الذي صنع كل ما هو موجود".
- التفنيد: النص الأصلي (بردية ليدن I 350) يذكر في الفصل 90 أن "آمون ورع وبتاح هم ثالوث، لا يوجد غيرهم، هم واحد". هنا الكلمة المستخدمة للوحدانية لا تنفي وجود الثلاثة، بل تعبر عن "الاندماج السياسي-الديني" للآلهة الكبرى في الدولة الحديثة، وهو ما يُعرف بـ (Syncretism)، وليس توحيداً بالمعنى الفلسفي الذي يقصده الباحثون المعاصرون.
ملخص القراءة الصحيحة للنصوص:
- المشكلة اللغوية: المترجمون (مثل بودج) كانوا يترجمون كلمة "نترو" (الجمع) أحياناً بكلمة "God" بصيغة المفرد لتناسب عقيدتهم.
- بتر السياق: يتم نقل مديح إله في معبده الخاص وتجاهل أن الكاهن نفسه في المعبد المجاور يمتدح إلهاً آخر بنفس الصفات "التوحيدية".
إليك التحليل اللغوي الدقيق لهذا النص الشهير، وكيف يتم استغلاله بعيداً عن قواعد اللغة المصرية القديمة وسياقها اللاهوتي:
النص المستهدف: (صيغة الإله آتوم في نصوص الأهرام)
الفقرة الأكثر استشهاداً هي الفقرة رقم 1652 من نصوص الأهرام (Pyramid Texts)، والتي نُقشت في هرم "بيبي الثاني":
"يا آتوم-خبري، لقد علوت كجبل، لقد انبثقت كحجر البن-بن في معبد الهليوبوليس، لقد بصقت (شو)، ولفظت (تفنوت)..."
1. المغالطة في ترجمة "خلق نفسه من نفسه"
المدافعون عن فكرة التوحيد يترجمون وصف آتوم بـ "خپر-دجسف" (Kheper-djesef) على أنها "الواحد الأحد الذي خلق نفسه بنفسه".
- التفنيد اللغوي:
- كلمة "خپر" (Kheper) لا تعني "خلق" بالمعنى العدمي (Ex nihilo)، بل تعني "تحوّل" أو "تجلّى" أو "صار".
- كلمة "دجسف" (Djesef) تعني "بذاته".
- المعنى الصحيح: آتوم هو "المادة الأزلية التي شكلت نفسها". في العقيدة المصرية، آتوم هو "النـون" (المادة الهيولية الأزلية) حين وعى بذاته. هو ليس "خالقاً" منفصلاً عن المادة، بل هو المادة وقد اتخذت شكلاً.
2. بتر التعددية (التاسوع)
الانتقائيون يترجمون السطر الأول فقط الذي يمجد وحدانية آتوم في لحظة البدء، ويهملون بقية الفقرة (الفقرة 1653-1655):
- النص يكمل: "...وضعت ذراعيك حولهما كرمز لـ (الكا)، لكي تبقى (كا) الخاصة بك فيهما".
- التفنيد: النص هنا لا يتحدث عن "وحدانية مطلقة"، بل عن "تجزئة الواحد ليصير متعدداً". آتوم (الواحد) لم يستمر واحداً، بل أخرج من ذاته (شو وتفنوت)، واللغة هنا تستخدم صيغ المثنى والجمع، مما يؤكد أن الوحدة في الفكر المصري هي "وحدة أصل" يعقبها "تعدد وجود"، وليست توحيداً إقصائياً للآلهة الأخرى.
3. إشكالية "الواحد" (Wa) في الهيروغليفية
يستشهد البعض بكلمة "وع" (Wa) التي تعني "واحد".
- المصدر: بردية ليدن (النشيد 90) أو نصوص الأهرام.
- التفنيد: في اللغة المصرية، حين يُقال عن إله إنه "وع"، فالمقصود غالباً هو "الفريد في نوعه" أو "المتصدر" (The Peerless)، وليس "الإله الوحيد" (The Only God). بدليل أن نصوص الأهرام نفسها في الفقرة 1248 تقول عن الملك المتوفى إنه سيتنزه في السماء "بين الآلهة"، فكيف يكون الإله واحداً أحداً والنص يكتظ بذكر "نترو" (الآلهة) في كل سطر؟
المصادر العلمية للتفنيد:
- James P. Allen في كتابه "The Ancient Egyptian Pyramid Texts"، صفحة 242 (ترجمة وتحليل فقرة 1652): يوضح أن النص يصف عملية "انبثاق" (Emergence) وليس توحيداً لاهوتياً.
- Erik Hornung في كتابه العمدة "Conceptions of God in Ancient Egypt: The One and the Many": يفند في الصفحات (33-56) كيف أن ترجمة "واحد" بمفهوم التوحيد المسيحي أو الإسلامي هي خطأ في فهم بنية الفكر المصري الذي يجمع بين الواحد والمتعدد (The One and the Many) دون تناقض.
بالانتقال إلى
متون هرم أوناس (أقدم نصوص الأهرام اكتشافاً)، نجد أوضح الأمثلة على كيفية "بتر" النصوص. المدعون بالتوحيد يقتبسون فقرات تمدح "أوناس" أو الإله كقوة عظمى وحيدة، لكنهم يتجاهلون أن النص نفسه عبارة عن خريطة لآلهة متعددة.إليك نص من "غرفة الدفن" بمقبرة أوناس وتفنيده:
1. النص المُجتزأ (الذي يستشهدون به):
من القول (Utterance) رقم 217:
"أنت هو الواحد الذي يرتفع في السماء.. أنت تشرق من الأفق"
الادعاء: يقولون إن هذا النص موجه لـ "خالق واحد" لا شريك له، استناداً لصفة الوحدانية والإشراق.
2. النص الكامل والتفنيد (حسب القراءة العلمية):
عند قراءة الفقرات 152 إلى 160 من نفس القول، نجد أن "الواحد" هنا ليس إلهاً توحيدياً، بل هو الملك أوناس نفسه بعد اندماجه مع "رع"، والنص يستدعي قائمة كاملة من الآلهة لخدمة هذه العملية:
- حضور التاسوع: النص يقول: "يا آتوم، هذا هو ابنك أوناس.. لقد جعلته يشرق وسط التاسوع (بست نترو)".
- تعدد الآلهة: في الفقرة 153، يخاطب النص آلهة محددة بأسمائهم: "يا شو و تفنوت، و نوت و جب.. أعلنوا لـ رع أن أوناس قادم".
- التفنيد اللغوي: كلمة "وع" (Wa) المستخدمة هنا تصف الملك في حالة "تفرده" بالصعود، وليست لوصف ذات إلهية تمنع وجود آلهة أخرى.
3. المصادر العلمية بأرقام الصفحات:
- كتاب: "The Pyramid Texts" لـ Samuel A.B. Mercer:
- في الصفحة 67 (القول 217): يوضح ميرسر في حواشيه أن النص ليس صلاة لتوحيد الله، بل هو "نص سحري" لدمج الملك المتوفى مع قوى الطبيعة الممثلة في الآلهة (رع، آتوم، شو).
- كتاب: "The Ancient Egyptian Pyramid Texts" لـ James P. Allen:
- في الصفحة 33 (نصوص أوناس): يترجم ألان الفقرات كاملة، حيث يظهر أن الملك يخاطب "رع-آتوم" ليسمح له بالجلوس على "عرش الحديد" وسط "الآلهة النجوم". هنا التعددية واضحة وصريحة (الآلهة بصيغة الجمع: ntrw).
لماذا يخطئون؟
المشكلة أن هؤلاء الباحثين (مثل بودج في كتابه Egyptian Religion صفحة 33) يترجمون جملة مثل:
"n ntr w nty m nwn"
باعتبارها: "لا إله إلا الذي في النون".
بينما القراءة الصحيحة: "ليس هناك إله (من الآلهة الموجودة) إلا وهو موجود في النون". الفرق شاسع بين نفي وجود آلهة أخرى، وبين القول إن كل الآلهة تشترك في أصل واحد.
تحليل "نشيد الشمس" أو ما يسمى بـ "توحيد أخناتون" لنرى كيف اختلف عن نصوص الأهرام في استخدام الألفاظ الإقصائية؟
تحليل
"نشيد أخناتون الكبير" هو المفتاح الحقيقي لتفنيد ادعاءات "التوحيد القديم" في نصوص الأهرام؛ لأن المقارنة اللغوية بينهما تكشف كيف تبدو "الوحدانية الإقصائية" فعلياً في الهيروغليفية، وكيف تختلف جذرياً عن نصوص الأهرام "التعددية".إليك التفاصيل والمصادر:
1. الفرق اللغوي (الألفاظ الإقصائية)
في نصوص الأهرام (مثل هرم أوناس)، يُمدح الإله بأنه "الواحد" (Wa)، لكن في سياق يمتلئ بآلهة أخرى (شو، تفنوت، جب، نوت). أما في نشيد أخناتون (المكتشف في مقبرة "آي" بتل العمارنة)، فظهرت صيغة لغوية جديدة تماماً:
- النص: "pA nTr wa n pAty ky r-gs.f"
- الترجمة: "أيها الإله الواحد، الذي لا يوجد غيره (أو لا يوجد آخر بجانبه)".
- التفنيد: إضافة عبارة "لا يوجد غيره" (ky r-gs.f) هي ابتكار لغوي من عصر أخناتون لم يوجد في نصوص الأهرام. هذا يثبت أن المصري القديم قبل أخناتون لم يكن يعرف "التوحيد الإقصائي"، ولو أراد التعبير عنه لاستخدم هذه الصيغة التي ظهرت لاحقاً في العمارنة.
2. المصادر والأدلة من كتب العلماء:
أ. جيمس هنري بريستد (James Henry Breasted)
في كتابه "فجر الضمير" (The Dawn of Conscience)، صفحة 282-285 (الطبعة الإنجليزية الأصلية):
- الادعاء: بريستد يصف نشيد أخناتون بأنه أول وثيقة توحيد حقيقي.
- التفنيد من الواقع اللغوي: بريستد نفسه يعترف في نفس الفصل أن هذا النوع من التوحيد كان "ثورة" ضد التعددية المستقرة في نصوص الأهرام والدولة الوسطى. إذا كان قدماء المصريين موحدين منذ الأهرامات، فلماذا اعتبر المؤرخون أخناتون "مارقاً" (The Heretic)؟ الإجابة لأن نصوص الأهرام كانت تمجد "وحدة المصدر" مع "تعدد التجليات"، بينما أخناتون ألغى التجليات.
ب. إيريك هورنونج (Erik Hornung)
في كتابه العمدة "واحد ومتعدد" (Conceptions of God in Ancient Egypt)، صفحة 91:
- التفنيد الصريح: هورنونج يفند ادعاءات "بودج" و"دي روجيه" ويشرح أن كلمة "واحد" في نصوص الأهرام كانت تصف "التفرد الوظيفي" (أي أن الإله فريد في مهمته)، وليس "التفرد الوجودي" (أي عدم وجود آلهة أخرى).
- الفقرة الصادمة: يشير هورنونج في صفحة 92 إلى أن نصوص الأهرام تذكر أكثر من 200 إله بأسماء صريحة، فكيف يجتزئ الباحثون فقرة "خلق نفسه بنفسه" ويتركون مئات الفقرات التي تصف صراع الآلهة وحواراتهم؟
3. مثال عملي للتفنيد (نص خلق العالم):
يستشهد البعض ببردية "بريمر-ريند" (رغم أنها متأخرة لكنها تلخص فكر نصوص الأهرام) حيث يقول آتوم: "كنت واحداً، ثم صرت ثلاثة".
- القراءة الانتقائية: يركزون على "كنت واحداً".
- القراءة الصحيحة (التفنيد): التكملة تقول "خلقْتُ ابنيّ (شو) و(تفنوت) من جسدي، ثم بكيت فصار البشر من دموعي". هنا الإله "يتكاثر" ويتحول إلى "تعدد"، بينما التوحيد بمعناه الفلسفي يفترض أن الخالق يظل منفصلاً عن مخلوقاته، لا أن يتجزأ ليصبح هُم.
الخلاصة التي تدعم وجهة نظرك:
من يدعي التوحيد في نصوص الأهرام يقع في مغالطة "الإسقاط التاريخي"؛ فهو يأخذ مصطلحاً حديثاً (Monotheism) ويحاول حشر النصوص المصرية فيه قسراً، متجاهلاً أن المصري القديم كان يرى "الواحد" (آتوم) هو الجذع، و"المتعدد" (باقي الآلهة) هم الأغصان، وكلاهما "شجرة واحدة" لا تنفي وجود الأجزاء.
هل تريد أن نستعرض تلاعب "بودج" تحديداً في ترجمة كلمة "نترو" (الجمع) إلى "God" (المفرد) في كتابه الشهير "كتاب الموتى"؟
تلاعب
واليس بودج (Wallis Budge) في ترجماته هو "حجر الزاوية" الذي بنى عليه المدعون بالتوحيد أوهامهم. بودج لم يكن مجرد مترجم، بل كان يسعى لإثبات أن العقيدة المصرية هي "تمهيد مسيحي"، ولتحقيق ذلك ارتكب خطايا لغوية صريحة. كشف هذا التلاعب بالمصادر والصفحات:
1. تحويل الجمع إلى مفرد (كلمة "نترو" nTrw)
في كتابه الأشهر "كتاب الموتى" (The Book of the Dead)، وتحديداً في مقدمة ترجمة "بردية آني":
- التلاعب: في الصفحة 98 (الطبعة الإنجليزية الأصلية)، يترجم بودج جملة هيروغليفية تحتوي على كلمة "نترو" (nTrw) -وهي جمع صريح ينتهي بعلامة الجمع (الثلاث شرطات)- إلى كلمة "God" (الله) بالمفرد وبحرف كبير (Capital G).
- التفنيد: النص الأصلي يتحدث عن "القوى الإلهية المجتمعة"، لكن بودج في الحواشي يدعي أن المصريين "قصدوا" الإله الواحد خلف هذه الكلمة. هو هنا لا يترجم لغة، بل يترجم "نيته الشخصية".
2. تزوير معنى "نتر" (Netjer)
في كتابه "آلهة المصريين" (The Gods of the Egyptians)، المجلد الأول، الصفحة 142:
- الادعاء: يزعم بودج أن كلمة "نتر" تعني "الذات القوية الخالقة للكون"، ويحاول ربطها اشتقاقياً بكلمة "الروح" في اللغات السامية ليثبت التوحيد.
- التفنيد اللغوي (حسب قاموس إيرمان وجراپو Erman & Grapow): كلمة "نتر" في النصوص القديمة (بما فيها نصوص الأهرام) تُستخدم لوصف الإله، الملك، المتوفى، وحتى الكائنات السحرية. ترجمتها بـ "الله" (بالمعنى الإبراهيمي) هي مغالطة لغوية؛ لأنها وصف لـ "الحالة الإلهية" وليس اسماً لعلم فرد صمد.
3. بتر سياق "الواحد" في نصوص الأهرام
في كتابه "الديانة المصرية" (Egyptian Religion)، الصفحة 33:
- الادعاء: ينقل فقرة تقول: "الله واحد، وهو الذي صنع كل الأشياء" (God is One and alone, and none other existeth with Him).
- التفنيد (الرجوع للأصل): النص الذي يشير إليه بودج هو في الحقيقة مديح للإله "بتاح" في منف، والفقرة التالية مباشرة في النص الأصلي (التي حذفها بودج) تذكر: "لقد خلق (بتاح) الآلهة الأخرى لتكون أجساداً له".
- بودج نقل "النتيجة" (أنه واحد) وحذف "الطريقة" (أنه صار آلهة متعددة)، ليُظهر النص وكأنه ينفي وجود غيره، بينما النص في الحقيقة يؤكد أن غيره "موجودون" لكنهم منبثقون منه.
4. شهادة العلماء ضد منهج بودج
انتقد كبار علماء المصريات هذا المنهج الانتقائي، ومنهم:
- سير آلان جاردنر (Sir Alan Gardiner): في كتابه "Egyptian Grammar"، أشار بصورة غير مباشرة إلى أن المترجمين الذين يلوون عنق النصوص لتبدو توحيدية يجهلون فلسفة "التجلي" المصرية.
- إيريك هورنونج (Erik Hornung): في كتابه "واحد ومتعدد" صفحة 42، يقول صراحة: "إن محاولة بودج وغيره العثور على توحيد في مصر القديمة هي محاولة لإيجاد شيء لم يوجد أبداً بتلك الصيغة".
الخلاصة:
بودج كان يقتبس "نصوص المديح" (Hymns) التي يرفع فيها الكاهن إلهه لدرجة المطلق، ويترك "نصوص الأساطير" (Myths) التي يتصارع فيها نفس هذا الإله مع آلهة أخرى، مما يثبت أن "الوحدانية" في مصر كانت عاطفية/طقسية (في لحظة الصلاة فقط) وليست عقدية/إقصائية.
بودج كان يقتبس "نصوص المديح" (Hymns) التي يرفع فيها الكاهن إلهه لدرجة المطلق، ويترك "نصوص الأساطير" (Myths) التي يتصارع فيها نفس هذا الإله مع آلهة أخرى، مما يثبت أن "الوحدانية" في مصر كانت عاطفية/طقسية (في لحظة الصلاة فقط) وليست عقدية/إقصائية.
هل تريد أن نضع مقارنة في جدول بين النص الأصلي وترجمة بودج "المزيفة" لأحد المقاطع الشهيرة من هرم أوناس؟
طرح أسئلة حول






0 88: dm4588a03ktc88z05.html
إرسال تعليق