إنجيل سكوفيلد والفكر الصهيوني المسيحي: دراسة نقدية
المقدمة
يشكل إنجيل سكوفيلد المرجعي (Scofield Reference Bible) أحد أكثر التفاسير تأثيرًا على الفكر الصهيوني المسيحي في القرنين التاسع عشر والعشرين (LaHaye & Ice, 2007). فقد أضاف القس الأمريكي سايروس إنجرسون سكوفيلد (1843–1921) ملاحظات تفسيرية للكتاب المقدس، ضمن رؤية لاهوتية تُعرف باسم التدبيرية (Dispensationalism)، والتي استخدمتها الحركة الصهيونية المسيحية لتبرير إقامة دولة إسرائيل باعتبارها تحققًا لنبوءات الكتاب المقدس.
إلا أن هذه التفسيرات تواجه نقدًا لاهوتيًا حادًا من بروتستانت وغيرهم، لأنها تعتمد على تأويلات بشرية، تتجاهل السياق الرمزي والنصي للكتاب المقدس، وتتعارض مع فهم العهد الإبراهيمي الشامل، الذي يشمل ذرية إسماعيل وسكان المنطقة العربية (تكوين 17:20).
أولاً: نبذة عن حياة سكوفيلد والسياق التاريخي
وُلد سكوفيلد عام 1843، وعمل محامياً في كانساس، لكنه واجه فشلًا مهنيًا واتهامات بالفساد والاحتيال، مما جعله يُوصف بأنه محامٍ فاشل (Sandeen, 1970).
بعد ذلك، التحق بالخدمة الدينية وأصبح قسيسًا معمدانيًا، وتميز بقدرته على إعادة تفسير النصوص التوراتية والإنجيلية بما يخدم رؤيته المستقبلية. وقد حصل على دعم من دوائر تمويلية مرتبطة بالحركة الصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة وبريطانيا، مما ساعد على نشر كتبه وتوزيعها بين الكنائس البروتستانتية (Spector, 2009).
ثانياً: أبرز أفكار إنجيل سكوفيلد
- تفسير حرفي للنبوءات: اعتقد سكوفيلد أن كل النبوءات التوراتية يجب فهمها حرفيًا، دون اعتبار للسياق التاريخي أو الرمزي (Marsden, 2006).
- التدبيرية (Dispensationalism): قسّم التاريخ الإنساني إلى مراحل تكشف فيها مشيئة الله تدريجيًا، مع تركيز خاص على مستقبل اليهود (Ryrie, 1965).
- اختطاف المؤمنين (Rapture): افترض صعود المؤمنين إلى السماء فور عودة المسيح، وهي عقيدة مختلقة تماما و غير مذكورة حرفيًا في الكتاب المقدس (Ladd, 1956).
- المملكة الألفية وعودة اليهود إلى فلسطين: ربط النبوءات بضرورة إقامة دولة يهودية في أرض الميعاد، متجاهلاً أن العهد الإبراهيمي يشمل إسماعيل وذريته (تكوين 16:11-12؛ 17:20).
ثالثاً: سكان المنطقة من نسل إسماعيل
الكتاب المقدس يوضح أن إسماعيل ابن إبراهيم من هاجر، وأن الله باركه وجعل ذريته أمة كبيرة:
"وأما إسماعيل فقد سمعت لك فيه، ها أنا أباركه وأكثره جدًا، وأجعل منه أمة عظيمة" (تكوين 17:20).
وبالتالي، سكان المنطقة من العرب هم من نسل إسماعيل، ويعد أي ادعاء بأن الأرض "حكر لليهود" تفسيرًا أحاديًا ومختلقًا (Barth, 1963).
رابعاً: نقد الفكر السكوفيلدي
1. من منظور نصي–لاهوتي
- غياب الأساس الكتابي: لا يوجد نص مباشر يدعم عقيدة "الاختطاف" أو ربط قيام دولة إسرائيل بالمجيء الثاني للمسيح (Stott, 1994).
- مخالفة المسيحية التقليدية: الكنائس الكاثوليكية والأرثوذكسية وغالبية البروتستانت ترى أن النبوات تُفهم روحيًا، ولا تُفسر كمخطط سياسي (Niebuhr, 1941).
- الرمزية الكتابية: سفر الرؤيا ودانيال مليئان بالرموز؛ القراءة الحرفية تتجاهل البعد الرمزي والروحي (Wright, 1996).
2. آراء لاهوتيين بروتستانت معارضين
- كارل بارت (Karl Barth): أي ربط بين نصوص العهد القديم والدولة الإسرائيلية الحديثة "تشويه للإنجيل" (Barth, 1963).
- جورج لاد (George Eldon Ladd): الكنيسة هي جسد المسيح، لا أمة محددة، وبالتالي ربط النبوات بأرض جغرافية خاطئ (Ladd, 1956).
- جون ستوت (John Stott): تحويل النصوص إلى برنامج سياسي هو إساءة للكتاب المقدس وإفراغ رسالة الخلاص من معناها الشامل (Stott, 1994).
3. البعد الأيديولوجي والسياسي
تم استخدام "إنجيل سكوفيلد" كغطاء لاهوتي لدعم المشروع الاستعماري الإسرائيلي، وتم توظيف التمويل والدعم المؤسسي لنشر أفكاره بين الكنائس البروتستانتية، مؤكدين أن دعم إسرائيل واجب ديني (Spector, 2009). لكن هذا الاستخدام يتجاهل شمولية العهد الإبراهيمي وحق العرب من نسل إسماعيل في الأرض، ويجعل القراءة اللاهوتية أداة سياسية أكثر من كونها تفسيراً دينياً.
هرطقة الادعاءات الاسكاتولوجية
ادعاءات سكوفيلد مثل:
"صعود المؤمنين" عند قدوم المسيح.
"وجوب عودة اليهود" لتحقيق النبوءات.
"ملكوت أرضي" في فلسطين.
كلها افتراضات مختلقة بلا أصل في النصوص الإنجيلية، بل تتعارض مع قول المسيح: "أما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد، ولا ملائكة السماء، إلا الآب وحده" (متى 24: 36).
هذا يكشف الطابع البشري التخييلي لهذه الشروح، التي تُعامل وكأنها وحي منزل، بينما هي مجرد تأملات شخصية.
خامسا الأسس الأكاديمية لنقد سكوفيلد
نقد لاهوتي وفكري
1. مخالفة الفكر المسيحي التقليدي
لا يوجد في المسيحية التقليدية (الكاثوليكية والأرثوذكسية وأغلب البروتستانتية) تصور بأن الله ربط خلاص البشرية بإنشاء دولة قومية يهودية.
يرى آباء الكنيسة أن النبوات القديمة عن "أرض الميعاد" تحققت رمزيًا في شخص المسيح وفي الكنيسة الجامعة، وليس في دولة سياسية.
2. معارضة لاهوتيين ومفكرين
وصف العديد من اللاهوتيين إنجيل سكوفيلد بأنه "تأويل بشري مفتعل" لا سند له من النصوص الأصلية.
أشاروا إلى أن الكتاب المقدس يجب أن يُفهم كرسالة روحية خلاصية، لا كخطة سياسية.
3. إشكالية النصوص المفقودة
التوراة نفسها فُقدت لقرون طويلة وأعيد جمعها بعد السبي البابلي، مما يضعف أي ادعاء باستمرارية النصوص.
الأناجيل نفسها عانت من فترات اضطهاد وضياع نصوص، وظهرت عبر سياقات متباينة وصراعات لاهوتية.
هذا يجعل الادعاء بامتلاك "خطة إلهية تفصيلية" من خلال هذه النصوص أمرًا متناقضًا.
4. الطابع الرمزي للكتاب المقدس
يؤكد الفكر المسيحي أن الكتاب المقدس ذو بعد رمزي وروحي، لا يُفهم كنص تاريخي أو سياسي حرفي.
بناء تصورات مستقبلية حتمية (مثل صعود المؤمنين، أو معركة هرمجدون، أو وجوب عودة اليهود) يتناقض مع هذا البعد الرمزي.
1. غياب الأساس النصي: لا يوجد سند كتابي مباشر لأغلب نبوءاته.
2. التوظيف الأيديولوجي: تمّت صياغة أفكاره ونشرها في سياق سياسي يخدم مشروعاً استعمارياً.
3. التحريف المنهجي: اعتمد على إسقاطات غيبية لا يمكن الجزم بها لاهوتياً.
4. رفض داخلي: وجود تيار بروتستانتي واسع يعارضه يبرهن أنّ فكره ليس تعبيراً عن "المسيحية الجامعة".
الخاتمة
يكشف النقد اللاهوتي والتاريخي أن فكر سكوفيلد:
مشروع أيديولوجي مختلق.
لا أصل كتابي لفكرة الدولة اليهودية الحديثة أو الاختطاف.
العهد الإبراهيمي يشمل ذرية إسماعيل، لا اليهود وحدهم.
الصهيونية المسيحية هرطقة ولاهوت زائف يوظف الدين لأغراض استعمارية.
- لا يستند إلى نصوص الكتاب المقدس بدقة.
- تم توظيفه سياسياً لتبرير المشروع الصهيوني.
- يتجاهل حقوق العرب وسكان المنطقة من نسل إسماعيل (تكوين 17:20).
- يتناقض مع جوهر المسيحية التقليدية التي تؤكد على العدالة والشمولية.
وبذلك، يُعتبر الفكر السكوفيلدي هرطقة ولاهوت سياسي مختلق، لا أساس له سوى مصالح أيديولوجية واستعمارية، وليس وحيًا كتابيًا يمكن الجزم به.
كتابة وإعداد
اقتصادى / محمد ابو الفتوح نعمة الله
المراجع (APA)
- Barth, K. (1963). Church Dogmatics, Vol. 3. Edinburgh: T&T Clark.
- LaHaye, T., & Ice, T. (2007). Scofield Reference Bible: Its History and Influence. Grand Rapids: Zondervan.
- Ladd, G. E. (1956). The Blessed Hope. Grand Rapids: Eerdmans.
- Marsden, G. M. (2006). Fundamentalism and American Culture. Oxford: Oxford University Press.
- Niebuhr, R. (1941). The Nature and Destiny of Man. New York: Charles Scribner’s Sons.
- Ryrie, C. C. (1965). Dispensationalism Today. Chicago: Moody Press.
- Sandeen, E. R. (1970). The Roots of Fundamentalism: British and American Evangelicalism, 1880–1930. Chicago: University of Chicago Press.
- Spector, S. (2009). Evangelicals and Israel: The Story of American Christian Zionism. Oxford: Oxford University Press.
- Stott, J. (1994). The Message of Romans. Leicester: Inter-Varsity Press.
- Wright, N. T. (1996). Jesus and the Victory of God. Minneapolis: Fortress Press.
- The Holy Quran, English Translation by Muhammad Marmaduke Pickthall, 1930.
- Ibn Kathir, I. (1999). Tafsir al-Qur’an al-Azim. Beirut: Dar al-Kutub al-‘Ilmiyya.
0 88: dm4588a03ktc88z05.html
إرسال تعليق